إلى زميلي ابن الـ GenZ: تأنَّ.. تَسلم!

نوفمبر 23, 2025
إسلام زقزوقإسلام زقزوق

طوال عقود، ترسخت صورة "النجاح" بشكل مُعيّن في أذهان الناس.. تنضم إلى شركة وتعمل بجدٍّ لسنوات، تتدرج في السلم الوظيفي وتحصل على لقبٍ أعلى، ثم تتقاعد يومًا ما حاملًا شهادةً مؤطرةً وربما ساعةً ذهبية. بالنسبة للكثيرين كانت تلك الصورة مصدر فخر، أما بالنسبة لجيل Z تبدو أكثر كقفص.

لاحظ شباب الـ GenZ أن ما يسمى بـ "السلم الوظيفي" كان أحيانًا أشبه بجهاز المشي، حيث يتطلب الكثير من الجهد دون تحقيق تقدّم يُذكر.. وفي مرحلة ما، بدأوا يتساءلون: هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟

في مناقشة جمعتني بأحد شباب جيل Z حول أسباب تسرّعهم وعدم صبرهم من أجل الوصول لأهدافهم، قال لي بلهجة حازمة: "لسنا كسالى كما يظن أبناء جيلك (الألفية) والأجيال التي سبقتكم، نعمل بجد، لكننا نريد أن يكون لعملنا معنى".. الجلوس على مكتب من الساعة 9 إلى 5 من أجل "وقت الحضور" يبدو لهم أمرًا فارغًا عندما يدركون أن الحياة خارج المكتب تمر بسرعة.

إنهم لا يحلمون بمكاتب زاوية بقدر ما يحلمون بصباحات بدون منبهات، وأمسيات تغرب فيها الشمس بأشعتها الأخيرة على بشرتهم، وعمل يترك لهم مساحة للتنفس.

 

التكاليف الخفية للترقية

الغوص في عقل هذا الشاب اليافع كشف أمامي أفكار وطموحات جيله.

بالنسبة لهم، فإن صعود السلم الوظيفي ينطوي على الكثير من التكاليف غير المعلنة.. ساعات العمل الطويلة التي تستنزف الصحة، اللحظات الضائعة مع العائلة، الإبداع الذي تضعفه الاجتماعات التي لا تنتهي، الترقيات التي تجلب أحيانًا ضغوطًا أكثر من الفرح.

لقد رأوا كيف يمكن أن تتحول الترقية إلى خسارة، خسارة الحرية والوقت والطاقة التي يمكن إنفاقها في بناء شيء خاص بهم.

 

إعادة تعريف الطموح

بدلاً من التسابق إلى قمة هيكل واحد، يريدون بناء هيكلهم الخاص.

بالنسبة للبعض هذا يعني التوفيق بين عدة مشاريع، أحدها يدفع الفواتير والآخر يُغذّي إبداعهم.

لآخرين، هذا يعني العمل لساعات أقل حتى يتمكنوا من تعلم مهارة جديدة أو التطوع أو السفر.

لا يعني ذلك أنهم يرفضون الطموح، بل يأبَوْن فكرة أن الطموح يجب أن يتناسب مع هيكل صارم تم تصميمه منذ عقود.

إنهم يؤمنون بأن التقدم يمكن أن يكون أفقيًا بقدر ما هو عموديًا، من خلال تعلم مهارات جديدة، واستكشاف مسارات مختلفة، وبدء مشروع صغير خاص بهم.

يشعرون بأن مشروعاً مستقلاً أو عملاً جانبيّاً، أو حتى وظيفة بدوام جزئي بساعات عمل مرنة، أكثر "نجاحاً" من لقب فاخر إذا كان ذلك يعني أنهم يتحكمون في وقتهم.

تظهر الاستطلاعات أن أكثر من 60% من العاملين من جيل Z سيتركون وظيفتهم إذا كانت تمنعهم من الحفاظ على توازن صحي بين العمل والحياة.

ووجدت دراسة أجرتها شركة Deloitte في عام 2023 أن 23% فقط من جيل Z يرون أن "تسلق السلم الوظيفي" هو هدفهم المهني الأساسي، مقارنة بأكثر من 50% من الأجيال الأكبر سنًا.

بدلاً من ذلك، يُفضّل الغالبية وظائف مرنة أو العمل عن بُعد أو ريادة الأعمال، وهي خيارات تتيح لهم تكييف العمل مع حياتهم، وليس العكس.

 

جيل Z يرسم مستقبل الإعلام والاتصال

يرغب شباب هذا الجيل في القيادة الإعلامية والاتصالية، بفضل نشأتهم المتصلة بالمنصات الرقمية وإجادتهم أدوات الإعلام الرقمي والاتصال الجديدة، ما ولّد لديهم الثقة في قدراتهم على التأثير وتقديم محتوى مميز منذ سن مبكرة.

يرون في أنفسهم القدرة على إدارة فرق أو مشروعات رغم صغر أعمارهم، بسبب اطلاعهم المتزايد وامتلاكهم لمهارات التكنولوجيا والتواصل الإلكتروني.​

.

الصحة العقلية أمر غير قابل للتفاوض

تخيّل أنك تستيقظ دون الشعور بالقلق الذي ينتابك قبل يوم آخر مرهق، بالنسبة لجيل Z هذا الشعور هو مكتسب يستحق الحماية، فهم لا يعتبرون الراحة ضعفًا بل يرونها وقودًا للإبداع.

يقدّر الكثير من جيل Z الصحة العقلية بشكل أكثر صراحة من الأجيال السابقة، فهم يرون الراحة أمرًا ضروريًا، وليس كسلًا. يختارون وظائف، أو يبتكرون أخرى، تسمح لهم بالتوازن. لا يريدون الانتظار حتى يبلغوا الستينيات من العمر ليعيشوا الحياة التي يريدونها؛ بل يريدون أجزاء منها الآن، في العشرينيات والثلاثينيات من العمر.

تصف الأجيال الأكبر سنًا هذا أحيانًا - وكاتب المقال من بينهم - بأنه غير واقعي على الدوام، لكن جيل Z يجادل بأن ما هو غير واقعي هو توقع أن يُضحّي شخص ما بعقود من أفضل سنوات عمره من أجل وعد قد لا يتحقق أبدًا.

العالم مختلف الآن، فقد فتحت التكنولوجيا والعمل عن بُعد واقتصاد الوظائف المؤقتة أبوابًا لم تكن موجودة من قبل، فأصبح لسان حال شاب الجيل Z: إذا كان السلم لا يؤدي إلى حيث أريد الذهاب، فلماذا أتسلّقه من الأساس؟

 

اختيار المعنى على الألقاب

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالكسل أو الشعور بالاستحقاق أو الهروب من العمل الشاق، بل يتعلق باختيار نوع العمل الشاق الذي يهمهم.

جيل Z مستعد للعمل حتى ساعات متأخرة من الليل، ولكن ليس من أجل شرائح PowerPoint لا نهاية لها ستُنسى في غضون أسبوع.

إنهم يريدون أن تؤدي جهودهم إلى خلق شيء حقيقي: مشروع يغير حياة الناس، أو منتج يفخرون به، أو حتى مجرد حرية قضاء ظهيرة يوم مشمس في الهواء الطلق دون الشعور بالذنب.

لقد نظروا إلى السلم، ووزنوا التكلفة، وقرروا أن المنظر من الأعلى لا يستحق العناء، إذا كان ذلك يعني فقدان أنفسهم أثناء الصعود.

 

مقاييس النجاح بين الأجيال

أتفهّم منطق تغيّر الأزمنة وتعاقب الأجيال، أعي تبعات تغوّل التقنية بأوجهها كافة على مشاهد حياتنا اليومية يومًا بعد الآخر.. ما كان غاية ومُنتهى - من نجاح مهني - في أذهان جيلي والأجيال التي سبقته، صار اليوم عبئًا وغير مرغوب به من شبابٍ يُثّمن وقته لحظة بلحظة.

لا أُصادر على أحلام أبناء جيل الذكاء الاصطناعي، لا أضجر من نظرتهم لنا كمحدوديَّ الطموح، فأنا أعلم تمام العلم أنني وغيري من أبناء جيل الألفية وما سبقه من أجيال، سرنا في الطريق المُقدّر لنا لنحقق - بمقاييس أزمنتنا - نجاحات مهنية منقطعة النظير.. جميعنا يحلم بالراحة وتولي زمام القيادة، ولكن إذا رَغِب كل شباب الـ GenZ أن يكونوا رؤساء مجالس إدارات أو مدراء تنفيذيين، إذن من سيعمل كموظف لدى هؤلاء المديرين؟!

التأني لا غنى عنه في حياتنا.. الطبخة الشهية تحتاج وقتًا للتسوية الجيدة، الفكرة اللامعة تخرج للنور بعد أشهر وربما سنوات من الإعداد والجهد المُضني، كذلك سوق العمل مهما اختلفت التفاصيل وتغيّرت الأفكار.

وختامًا، أنصح زميلي بعدم التسرّع واستعجال النجاح، بكلمات تحمل "تاريخ صلاحية مفتوح" في سائر الأزمنة ولمختلف الأجيال: اطمح واحلم حتى عنان السماء، ولكن تأكد قبلها أنك تستطيع مُلامسة النجوم!

مقالات شائعة

Share:
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram