بين السبق والسرعة.. تاهت الحقيقة

10 فبراير 2026
أمنية محمدأمنية محمد

في عصر السرعة… من يملك الحقيقة؟

في عصر السرعة، تتوالى الأخبار أمام شاشاتنا الصغيرة، ولكن هل تساءلت يومًا من يملك الحقيقة الآن؟
حرب التريندات والسباق وراء «السبق» تفتح أسئلة كثيرة كيف تشكل شبكات التواصل سلوكنا وردود أفعالنا؟ وهل كل ما نراه موثوق؟ لو توقفت للحظة للتمعن في آخر خبر وصلك عبر الهاتف: هل توقفت للتحقق من مصدره، أم اكتفيت بالإعجاب أو المشاركة؟

حاليا يمكننا أن نطلق أننا نعيش في زمن السرعة، كل شيء فيه يحدث أمام أعيننا على شاشة صغيرة، نعم مثلما تعلمنا سابقًا في المدارس الجملة الشهيرة "العالم أصبح قرية صغيرة" ولكن اليوم يمكن أن نؤكد أن العالم أصبح أصغر مما كان يستطيع العقل البشري أن يتخيل وبسرعة تفوق كل التوقعات، بفضل التطور التكنولوجي الرهيب وخصوصًا مع دخول الذكاء الاصطناعي.. وأصبح في ثواني بلمسة بطرف الأصبع وبنظرة لهاتفك تعرف ما يدور في أي مكان في العالم.

ولكن الأزمة تأتي إننا لا نعطي نفسنا فرصة نراجع أو نتأكد من أي شيء فهذه السرعة أتت ومعها سؤال مهم، ألا وهو:

من نصدق؟ وكيف نتأكد؟ ومن يملك الحقائق؟


التريند "أكل الجو"

هل تذكر حينما كانت السوشيال ميديا مجرد مكان للتواصل مع الأصدقاء والأقارب؟ صور، تعليقات، ضحكات، أو حتى آراء.

الآن باتت أحد أهم مصادر الأخبار ولن يكون تهويل لو أطلقنا أنها المصدر الأول للأخبار. ولكن… الأخبار التي تظهر لك ليست دائمًا مبنية على حقائق، كثير منها قائم على آراء أو إشاعات أو حتى “تريند” مفبرك. فالخوارزميات لا تفرق بين صواب أو خطأ، المهم التفاعل… المهم إنك تتفاعل بإعجاب أو مشاركة.. ليكون التريند هو لغة الجيل والعصر و"أكل الجو" من كل وسائل الإعلام.


حرب السرعة والحقيقة

الصحافة نفسها وقعت في نفس الفخ في وقت ازدهارها وحروب السبق الصحفي كانت أشبه ولكن بدرجة أقل حدة. سباق النشر السريع أحيانًا كان أهم من دقة المعلومة. ولكن الصحافة الحقيقية كانت دائما تؤكد وتشدد على أهمية وأولوية صحة الخبر حتى ولو متأخرة، لأن ذلك أفضل بكثير من نشر سبق صحفي وينتهي في آخر الأمر بأنه خبر كاذب وإشاعة غير صحيحة.

والنتيجة؟
ما يحدث علي صفحات التواصل الاجتماعي الآن أخبار ناقصة، أو متحيزة من غير قصد، أو حتى مضللة وإن كان ذلك ليس تعميمًا ولكنه شيء واضح وملموس. ونحن كمستخدمين؟ ننجرف وراء موجة التفاعل ونصدق الشيء الذي يلمع حتى وإن كان غير حقيقي.


ذكاء بلا ضمير

زاد على ذلك دخول أدوات الذكاء الاصطناعي التي تنتج محتوى بسرعة خيالية، ميزة كبيرة من حيث السرعة.. اتفق، ولكن.. الخطر إن المحتوى يمكن أن يظهر للوهلة الأولي متقن وموثق، وفي الحقيقة قد يكون مبني على بيانات قديمة أو مصادر غير دقيقة. الآلة بلا عقل يراجع أو يسأل، هي فقط تنقل ما تعلمته.


الكرة في ملعبنا

في وسط كل ذلك، المسؤولية أصبحت علينا، فليس كافيا ننتظر “الخبر المؤكد” يأتي حدنا بل لابد أن نسأل: من كتب الخبر؟ ولماذا؟ هل هناك مصدر حقيقي يدعم هذه الأخبار؟ الإنسان في حاجة للتعلم والمراجعة والتفكير قبل أن يشارك أو يصدق.


كيف نتأكد قبل المشاركة؟

كل ما عليك فعلة لتتجنب الانسياق وراء موجات جارفة من الأخبار المفبركة هو فقط التوقف للحظات والتأكد إذا كانت المصادر موثوقة بأي طريقة ممكنة، كالتحقق من كاتب الخبر ومصدره وموثوقتيه أو البحث العكسي عن الصور عن طريق استخدام أدوات مثل:

  • Google Reverse Image

  • TinEye

لمعرفة أصل الصور والتأكد من صحتها أو أدوات التحقق من محتوى الذكاء الاصطناعي بعض المواقع مثل AI Content Detector أو Originality.ai تساعدك على تحديد ما إذا كان المحتوى منتج بشكل آلي. أهم من ذلك المراجعة النقدية بقراءة الخبر بعناية، والتأني قبل التفاعل للتأكد من صحة المعلومة أولًا.


الخلاصة

شاشاتنا لم تغير فقط سرعة وصول الأخبار، بل غيّرت أيضًا الطريقة التي نثق في الأخبار بواسطتها، فالعالم الرقمي فتح لنا باب المعرفة، لكنه في نفس الوقت يطالبنا بوعي أكبر وقدرة فائقة على التمييز. الثقة أصبحت أغلى من أن نعطيها بسهولة، ولكنها تحتاج قراءة متأنية ونظرة فاحصة، حتى لا نتحول لمجرد جمهور يتلقي أي موجة جديدة على شاشة منيرة، وحتى لا نكون بلا عقل أو فكر أو هوية وننساق دون أن ندري لأين أو لماذا أو لمصلحة من؟

مقالات شائعة

Share:
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram