فيلم Her بعيون كاتب محتوى.. الـ"نقص" الذي سينقذ البشرية!

19 أبريل 2026
محمود حافظمحمود حافظ

حالة الذعر العالمية من الذكاء الاصطناعي لا تخفى على أحد، طالت فترتها على مدار شهور، ولا يبدو أنها ستتوقف قريبًا، تطالعنا فيها المقالات واللقاءات والمجادلات كل يوم، تحت نفس العناوين تقريبًا: الآلات قادمة، الوظائف ستضيع، البشرية مهددة، الحاسوب سيفعل كل شيء وأي شيء، بداية من نقش رسمة احترافية إلى تنفيذ أدق العمليات الجراحية.

كان أهل الفن - كعادتهم - سبّاقين في هذا التشاؤم، يتوقعون الأسوأ بطبيعة متشككة مُحقّة، منهم من كتب أو رسم أو أخرج الأفلام، السينما بالذات استثمرت العلاقة المعقدة بين البشر والآلة في عشرات العناوين قديمها وحديثها، شاهدنا فيها الروبوتات ترتكب الجرائم (2004) I, Robot، تحارب الجيوش (1999) The Iron Giant، تحاول أن تصير آدمية بدورها! (1999) Bicentennial Man، والأمثلة كثيرة صعبة الحصر.

الفيلم الذي تستعيده ذاكرتي بقوة في هذا الصدد هو (2013) Her، ليس فقط لتحققه بشكل مثالي مع ثورة روبوتات الدردشة كـ Chat GPT وإخوته، لكنها أحداثه التي تتماس بشكل أستاذي مع عملي ككاتب محتوى، لأن وظيفة البطل نفسه تتعلق بتدوين نوع خاص جدًا من السرد، وهنا اسمح لي بذكر لمحة أوسع من الفيلم، دون حرقه قدر الإمكان.

البطل "ثيودور" (الممثل الأوسكاري خواكين فينيكس) يتلخص عمله في كتابة الرسائل! صحيح.. يتوجه يوميًا إلى الدوام بحصيلة كلمات ثرية وتعبيرات راقية في النواحي الإنسانية، ليسطر بها خطابات مؤثرة لزبائنه، ورغم وظيفته الرومانسية، يعاني "ثيودور" من زيجة متفسخة وعلاقات مؤلمة، يبحث عن خلاصه الروحي في غراميات عابرة ويفشل، فيقرر اللجوء إلى روبوت دردشة يُدعى "سامانثا"، مجرد فتاة وهمية مُبرمجة، تتحدث مع ثيودور بطلاقة، يأسره صوتها الأنثوي المفعم بالحياة، تملأ حياته ويغارُ عليها رغم عدم وجودها أصلا!

تذكّر الجميع "سامانثا" بعدما صار الملايين مغرمين بالحديث مع Gemini وغيره من الروبوتات على الشاشة في أدق أسرار حياتهم، لقد تحقق هذا الجزء من فيلم Her إذن بعد أقل من عقد على عرضه، وهنا سأترك لك الفرصة لمشاهدته والتفاجؤ ببقية أحداثه المُلهمة، لكني سألفت نظرك إلى ما يخصني ككاتب محتوى، وأطرح استفسارًا وجيهًا:

- إذا كانت التقنية تطورت في الفيلم لدرجة روبوت الدردشة الذي يماثل الإنسان تمامًا، فلماذا لا يكتب الذكاء الاصطناعي تلك الرسائل التي احترفها "ثيودور" ويكسب مها رزقه؟

مخرج الفيلم يقدم لنا فكرة مهمة إذن وفارقة، الذكاء الاصطناعي مُذهل، خارق، ثوري، لكنه لم يحتل مكانة قلب "ثيودور" بعد، فالروبوتات مجرد أسلاك وكهرباء جامدة، والتواصل البشري أساسه روحاني بالنهاية، تمامًا مثل اللؤلؤ الصناعي، منتشر ومحبب منذ استزرعه اليابانيون بنجاح قبل أكثر من قرن، ومع هذا ما يزال العملاء يُقدّرون اللؤلؤ الطبيعي ويشترونه بأثمان باهظة تفوق المستزرع بمراحل.. هل أعني إذن أن المعركة محسومة بيننا وبين الآلة؟

هذا السؤال الحتمي يساوي حياتنا نفسها في السنين القادمة، هل تتمرد الروبوتات يومًا ما بشكل يؤذينا؟ هل صنعنا الوحش الآلي الذي سيحل محلنا؟ الإجابة تتفاوت بين الخبراء، البعض يهز رأسه في ثقة مستبعدًا هذا الأمر، والبعض الآخر يؤكد أن الذكاء الاصطناعي ليس إلا أحد سيناريوهات نهاية العالم، تمامًا كالتغيّر المناخي والحرب العالمية الثالثة، وبين هذين الرأيين يبرز فيلم Her ليقدم رؤية متوازنة، معتبرًا الذكاء الاصطناعي بالنهاية من صنع البشر، وبالتالي هو ناقص، إذن فهذا النقص هو الذي سيُنقذنا، ويبقينا مشتاقين إلى الاكتمال ببعضنا، دون أن يعتمد كل منا على "سامانثا" الخاصة به! بل وسنبقى محتاجين إلى المحتوى "الروحي" مهما تطور المحتوى الاصطناعي.

الإنسان أم الآلة؟ يبقى الزمن وحده كفيلاً بالإجابة عن السؤال المصيري، وسنرى أي فيلم سيتحقق مستقبلاً بالكامل..

 

مقالات شائعة

Share:
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram