لماذا يحب الموظفون العمل عن بُعد بينما لا يفضله المديرون؟

18 مارس 2026
أحمد فتحيأحمد فتحي

قبل نحو عام عملت عن بُعد لبضعة أشهر، لأول مرة منذ جائحة كوفيد-19.. هذه التجربة فتحت لي نافذة على نسخة من حياتي افتقدتها كثيرًا.. لكنها حملت أيضًا بعض السلبيات!

صحيح أن العمل من المنزل جعلني أخسر نهائيًا الضجيج اليومي الذي يرافقني في طريقي لمقر الشركة، فضلًا عن التشتت بفعل النقاشات والأحاديث المحيطة، لكنه جعلني أكتسب وزنًا أتمنى أن أخسره دون رجعة.

لم يكن الأمر سلبيًا إلى هذا الحد.. بل إن الجلوس في المنزل طوال اليوم أتاح لي إنجاز مهام عدة كانت مؤجلة منذ أشهر طويلة.. باب الغرفة أصلحته، اللمبات غيّرتها، وأغراض أخرى كانت تنتظرني حتى أنهيها، وفوق كل هذا اكتشفت عندي موهبة خفية في طهي بعض الأصناف.. ربما هي سبب الكيلوجرامات الزائدة!

لماذا يحب الموظفون العمل عن بُعد؟

دعونا لا نظلم العمل عن بُعد ونُحمّله كامل نتيجة وزني الزائد، لأني وقتها تحولت إلى شجرة امتدت جذورها في أركان المنزل كافة ورفضت المغادرة، كان الأمر طبعًا يتطلب بعض الحركة أو النزول للتمشية دوريًا، لكني كنت أتجاهل كل هذا محاولًا استغلال كل لحظة أجلس فيها في المنزل، لأنها كانت مدة محدودة وبعدها سأعود للعمل من مقر الشركة مرة أخرى.

أما عن أسباب ميل الموظفين إلى العمل عن بُعد فهي كثيرة -من وجهة نظري ومن واقع تجربتي- والراحة النفسية والهدوء الداخلي تأتي على رأسها.. فلا وقت ولا جهد يُهدر يوميًا في تنسيق الملابس، وزحمة الطرق ذهابًا وإيابًا، والأحاديث والمقاطعات والاجتماعات التي قد تبتلع ربع اليوم!

كل هذا الوقت الهالك، تحوّل إلى تركيز أكثر، وبالتالي إنجاز وإنتاجية أسرع وأكثر جودة من العمل في المكتب!، وبطبيعة الحال تحقيق مرونة في الوقت وتوازن أكثر بين العمل والحياة.. فضلًا عن تقليل الإجهاد وزيادة وقت الراحة أو النشاطات الشخصية الأخرى.

أظهر استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث أن 64% من العاملين عن بُعد يقولون إن مرونة مكان العمل سهلت عليهم تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية والمهنية فيما قال 44% إن إنجاز مهامهم والالتزام بالمواعيد النهائية أصبح أسهل.

لكن ورغم كل هذا فإن نسبة كبيرة من المديرين لا يفضلون العمل عن بُعد أو في المنزل، وإذا دخلت معهم في نقاش سيرفضون قطعًا، وحتى إذا أبدوا تفهمهم فإن في باطنهم عدم إيمان بالفكرة.. لكن لماذا؟

لماذا لا يفضل المديرون العمل عن بُعد؟

لنتفهم هذا الرفض فمن الضروري أن نعبر إلى الجهة الأخرى التي يقف عليها المديرون ونرى المشهد من زاويتهم..

المديرون لديهم أسبابهمم المنطقية أيضًا.. وعلى رأسها الخوف من فقدان السيطرة، وصعوبة قياس الإنتاجية، وضعف التواصل اللحظي، كل هذا قد يؤدي إلى عدم وضوح الأدوار، وبالتالي انعدام المساءلة، فضلًا عن عدة أسئلة تبقى دون إجابة: كيف سيتم التنسيق، التعاون، الإشراف، بناء الثقة؟!

أيضًا الاجتماعات الافتراضية قد تكون أقل فاعلية من التفاعل الشخصي، وقد تؤدي إلى سوء فهم أو تأخير القرارات، في الوقت الذي يرى فيه المديرون أن العمل من المكتب يعزز الروابط بين الموظفين ويُسهّل العمل الجماعي.. لذلك تشعر الإدارة بالقلق تجاه انخفاض التعاون أو الإبداع نتيجة عدم قدرة الموظفين على الاجتماع وجهًا لوجه بانتظام.

ليس جميع الموظفين يميلون إلى العمل عن بُعد!

في الوقت الذي يرى كثيرون أن "العمل ليس مكانًا نذهب إليه.. بل شيء نفعله" فإن هناك من يرى العكس!

البشر يحتاجون إلى بشر!.. هذا نهج بعض الموظفين الذين يقدّسون العمل من مقر الشركة والتفاعل يوميًا مع زملائهم ويجدون راحتهم في ذلك.. هناك آخرين يفضلون ترك كل تفاصيل العمل على باب الشركة قبل التوجه إلى المنزل وحياتهم الأسرية، ويرفضون بشدة خلط هذا بذاك.

بل هناك بعض الأصدقاء الذين يعملون عن بُعد طيلة سنوات، أفصحوا لي عن معاناتهم من حياتهم الخالية من البشر وزملاء العمل، والنقاشات والأحاديث الجانبية، ويفتقدون أجواء المكتب ويوم العمل بكل تفاصيله!

بين الموظفين والمديرين

في الحقيقة نتائج العمل عن بُعد تختلف كثيرًا حسب نوع الوظيفة وطبيعة العمل وأساليب إدارة الفريق وأدوات وآلية التواصل، كل هذا يلعب دورًا كبيرًا في نجاح أو فشل هذا الاتجاه.

لكل من الموظف والمدير منطقه وأسبابه التي يدافع عنها.. كل شخص من منظوره يرى الحقيقة، والجانب الأفضل، والحياة العملية الأكثر راحة أو الأقل خطأً.

قد يكون الحل في أن تنتصر احتياجات الموظف أو وجهة نظر المدير.. لكن لماذا لا ينتصر الاثنان معًا؟

العمل الهجين "hybrid".. الحل الوسط

الحقيقة أن العمل الهجين ليس حلًا بين الاثنين فقط، بل نموذج أثبت نجاحه في كثير من الشركات حول العالم، لأنه يقسم الأسبوع لأيام من العمل عن بُعد وأخرى من مقر الشركة.. وبالتالي قد يُرضي جميع الأطراف.

هذه المرونة تُمكّن الموظفين من الوفاء بمسؤولياتهم الشخصية والمهنية، مع ضمان تحقيق أهداف العمل بكفاءة.. فعند العمل من المكتب يزداد التركيز على التعاون والتواصل الاجتماعي والابتكار، فالتفاعلات المباشرة ليست سلبية ومضيعة للوقت دائمًا، وأحيانًا تُفضي إلى مناقشات عمل عفوية وجلسات عصف ذهني إبداعية.

في المقابل.. عند العمل عن بُعد، يمكن للموظف التركيز على مهامه الفردية دون تشتيت، بما يحسّن التركيز والكفاءة والإنتاجية، وبذلك يتحقق التوازن بين هذين الجانبين بما يعزز قدرات فريق عما منتج ومبتكر.

وفقًا لبحث نُشر في مجلة Nature فإن العمل الهجين يحسن الرضا الوظيفي ويقلل من استقالة الموظفين بمقدار الثلث، خاصة بين الذين لديهم تنقلات طويلة من وإلى مقر العمل.

كما أن نسبة كبيرة من المديرين كانوا يرفضون في البداية عمل الموظفين من المنزل يومين في الأسبوع، لكنهم غيروا رأيهم عندما رأوا كيف نجحت هذه الطريقة.

يشير بحث آخر إلى أن العاملين بنظام العمل الهجين أفادوا بـ: جودة نوم أفضل (68%)، ممارسة المزيد من التمارين الرياضية (54%)، إعداد وجبات صحية أكثر (58%)، صحة أفضل بشكل عام (68%).

والأهم من ذلك، وجد الاستطلاع أيضاً أن حوالي ثلاثة من كل أربعة عاملين هجينين شعروا بأنهم أكثر إنتاجية (74%) وأكثر تحفيزًا (76%) بسبب تقسيم أسبوعهم، بينما قال 85% إن ذلك قد حسن من رضاهم الوظيفي.

العمل الهجين ميزة تنافسية وفائدة للشركات!

في سوق عمل تنافسي، أصبحت المرونة معيارًا أساسيًا في اختيارات الموظفين، ومن خلال إلغاء شرط الحضور اليومي تستطيع الشركات توسيع نطاق التوظيف لديها، إضافة إلى أن خيارات العمل المرنة قد تمنح الشركة ميزة تنافسية، وبالتالي استقطاب مزيد من المواهب والكفاءات.

مع العمل الهجين أيضًا ستتحول الشركة من مجرد مكان عمل إلزامي إلى ملتقى يحفز الموظفين على الحضور في أيام العمل من المكتب.

أما عن الانتقال الناجح إلى العمل الهجين، فلن يقوم ذلك إلا على نظام واضح وسياسات شاملة ومدروسة تتجاوز مجرد تحديد عدد أيام العمل المكتبي، وتمتد إلى مراعاة طبيعة عمل كل فريق، لتحقيق أعلى استفادة تنعكس على الموظفين والمديرين والشركات.

مقالات شائعة

Share:
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram