كيف تغير الخوارزميات طريقة تفكيرنا في الفضاء الرقمي؟

8 يوليو 2026
عبدالله عبدالوهابعبدالله عبدالوهاب

في عام 2023، تعرضت منصة فيسبوك لفضيحة كبيرة بعد أن كشفت تحقيقات قانونية وشكاوى من المستخدمين عن وجود خوارزميات تستهدف فئات معينة من المستخدمين بدقة غير عادلة تؤدي إلى تمييز اجتماعي.

إحدى الحالات المميزة كانت مع امرأة تُدعى سامانثا ليابس، التي ادعت أن إعلانات التأمين الصحي لم تُعرض عليها لسبب يرتبط بعمرها (48 سنة) أو جنسها، بينما كانت تظهر لمستخدمين آخرين من فئات مختلفة.

هذه الخوارزمية، رغم نيتها الأولية تحسين تجربة المستخدم من خلال تقديم الإعلانات ذات الصلة، أظهرت في الواقع عكس ذلك، حيث أعادت تشكيل فرص الوصول إلى الخدمات حسب معايير تمييزية، ما أدى إلى ردود فعل قانونية قوية أجبرت فيسبوك على تغيير سياساتها.


كيف تعمل الخوارزميات؟

الخوارزميات هي مجموعة من الخطوات أو التعليمات المنطقية والمتسلسلة والمحددة جيدًا لحل مشكلة أو إنجاز مهمة.

تعتمد الخوارزميات على تحليل بيانات ضخمة للمستخدمين: تاريخ التصفح، تفاعلات المستخدم مع المحتوى، بيانات الموقع، وحتى سرعة التمرير والضغط على الشاشة.

بناءً على هذه البيانات، يتم تصميم محتوى وإعلانات مخصصة شخصيًا لكل مستخدم لزيادة الوقت الذي يمضيه على المنصة وتحقيق أعلى عائدات للإعلانات.

لكن هذه الشخصنة ليست دائمًا في صالح المستخدم، ففي بعض الأحيان تخلق ما يسمى بـ "تكرار الصدى" (Echo Chamber) حيث يُعرض فقط المحتوى المتوافق مع الآراء والمعتقدات السابقة للمستخدم، مما يعزل الأفراد عن وجهات نظر مختلفة ويقلل من إمكانية الحوار والتنوع الثقافي والفكري.

بحسب دراسة نشرتها جامعة كاليفورنيا في 2024، فإن التعرض المستمر لمحتوى متجانس يعزز الفرضيات السابقة ويقلل من قدرة الدماغ على التفكير النقدي واتساع الأفق الفكري، ما يهدد بالانغلاق المعرفي.


الجانب النفسي والاجتماعي للخوارزميات

تظهر دراسات في مجال علم النفس العصبي أن الخوارزميات ليست مجرد خوادم بيانات، بل تتلاعب أيضًا بنظام المكافأة في الدماغ.

يجعلنا المحتوى الموجه نشعر بالرضا المؤقت عبر إطلاق ناقل عصبي يُعرف باسم "الدوبامين" (Dopamine)، وبالتالي نعزز سلوكيات التفاعل المستمر مع الشاشة، مما قد يؤدي إلى الإدمان الرقمي في بعض الحالات.

بالإضافة إلى ذلك، حالة التماهي مع آراء ومحتوى محدد تعمل على تشكيل "فقاعات تضليل" (Filter Bubbles) حيث يصبح المستخدم محصورًا في منظومة معلوماتية محدودة ومتكررة، وهذا يعزز انتشار المعلومات المضللة والشائعات.


كيف نواجه تأثير الخوارزميات؟

الوعي الرقمي هو خط الدفاع الأول، إذ يجب أن يكون المستخدم واعيًا لأن ما يراه هو جزء من استراتيجية حسابية مدروسة.

كذلك التوسع في مصادر المعلومات وتنوع المحتوى هو أحد أنجع الطرق لتفادي الوقوع في فخ انعزال الرؤية.

أما نصيحتي بالنسبة للمسوقين وصناع المحتوى، فيجب تطوير استراتيجيات ليست فقط لزيادة التفاعل، بل لبناء محتوى مسؤول ومتوازن يحترم تنوع الثقافات والآراء ويعزز الحوار الحقيقي بدلًا من التهميش.


الخاتمة

تشكل الخوارزميات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا الرقمية، فهي التي تحدد ما نراه، متى، وكيف، لكنها ليست تقليدًا لواقعنا الحقيقي، بل نسخة مختارة منه تخضع لقواعد ومصالح مختلفة.

والفهم العميق لهذه الآليات والوعي بأثرها النفسي والاجتماعي يضعنا في موضع أصحاب القرار، لا مجرد متلقين.

وبهذا الوعي، يمكننا تحويل الخوارزميات من أدوات تحكم إلى أدوات تمكين ونمو، لتعزيز الخبرات الرقمية المختارة بدقة واعية ومسؤولة.

مقالات شائعة

Share:
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram