بصفتي عاشقًا لكتب السيرة بأنواعها، خاصة المشاهير المؤثرين في حياتنا، ما إن وجدت كتاب "آينشتاين.. حياته وعالمه"، حتى بادرتُ باقتنائه؛ فهو من أشهر المؤلفات عن الفيزيائي العظيم الراحل، كتبه متخصص السِيَر الحياتية، الأمريكي والتر إيزاكسون، الذي تحمل قائمة أعماله أسماءً مخيفة مثل هنري كيسنجر وستيف جوبز وليوناردو دافنشي، أما كتابه عن أينشتاين فهو سِفر متخم، أغناه صاحبه بأبحاث صعبة الحصر في حوالي 664 صفحة، هذا عمل ثقيل والمجهود فيه أضعاف وزنه، من أين أتى الكاتب بكل هذه الكم؟
هنا تأمل معي تفصيلة مهمة، دالة، تقبع بارتياح وثقة في نهاية الكتاب، هناك عند الصفحة رقم 563، ستجد عنوانًا بخط عريض، يخبرك بفخر أنك وصلت إلى الجزء التوثيقي الحقيقي، إنها الكلمة السحرية التي تؤكد لك أن كل الصفحات السابقة ذات حيثية وأهمية لا يستهان بها، ليست مجرد أضغاث أحلام أو تباريح جريج، مرحبًا بك فى..
- المصادر
المصادر وما أدراك ما المصادر، مركز الثِقَل في أي مادة مكتوبة، فلا ننسى أن والتر إيزاكسون نفسه صحفي مخضرم عمل في هيئات لها وزنها مثل CNN ومجلة TIME، هكذا تعمّد الرجل أن يذيل كتابه بقرابة 100 صفحة كاملة عن مصادره، أي حوالي 15% من العمل ككل، ليشترك القارئ في التجربة، ويرى الآبار التي استقى منها المؤلف معلوماته، فيمكنه العودة إليها للاستزادة أو التيقن منها، هذا حق الجمهور وليس مجرد رفاهية.
قارِن هذا بما حدث في ختام 2025، حين أعلنت دار نشر عراقية شهيرة عن عدد من الإصدارات الجديدة مثيرة العناوين، كتب براقة ستلفت نظرك حتمًا بمواضيع ملتهبة عن هتلر والحسن بن الصباح وستالين، المؤلفون أجانب والكتب مترجمة، كل هذا جميل، لكن المشكلة أن هذه المؤلفات جميعها بلا مصادر، لماذا؟ لأنها مُختلقة بالكامل! عشرات الصفحات مزيفة، وأصحابها ومترجموها مجرد أسماء وهمية على الأغلفة، يبدو أن المحتوى مُوّلد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، طبعًا كانت كارثة ثقافية من العيار الثقيل وأعلنت الجهات الرسمية فى العراق إيقاف عمل الدار بعد تحقيق دقيق، وإذا كانت المصادر في الكتب مُهمة، فليست الصحافة بأقل منها، بل هي أخطر وأعظم.
منذ اللحظة الأولى لي في بلاط صاحبة الجلالة، كانت "المصادر" هي أكثر الخبرات قسوة ورحمة في الآن ذاته، مع كل مادة يسأل المرء نفسه: هل المصدر بالقوة الكافية؟ أأكتفي به وحده؟ ماذا عن المصادر الأخرى؟ لقد سهّل الإنترنت إمكانيات البحث، لكنه عزز من المحتوى الزائف كذلك، وحتى مع اطمئنانك، لا بد أن تفعل مثل والتر إيزاكسون وتذكر مصدرك، هذا ما نحرص عليه في TREND عبر منتجاتنا، وحتى في تصاميمنا لا نستغني عن ذكر المصدر كـ QR Code، أو نكتفي بالطريقة الأبسط، هذا المحتوى وفق كذا، بحسب فلان، إنه العهد بيننا وبين المتلقي، لهذا ما زلتُ أستغرب وأضرب كفًا بكف كلما طالعتُ مادة لا تذكر مصدرها، عادةً لا ألقي لها بالاً، كأنها مستند حكومي دون الختم القانوني، بلا قيمة ولا يعوّل عليه.
هذا المبدأ المصيري يطبّقه الآن أغلب صنّاع محتوى "الفيديو" تحديدًا، يذكرون مراجعهم في وصف الحلقات، لزيادة المصداقية من جهة، وتبرئة أنفسهم من جهة أخرى، بمنطق: هذا ليس كلامنا، بل قاله المؤرخ سين والعالِم صاد و.. لحظة! أعرف أنني سأسمع الاعتراضات في هذه النقطة بالذات، فالمؤرِخ سين قد يكون كاذبًا لعينًا، والعالِم صاد ربما هو أكبر مُدلِّس في تاريخ العلماء كافة، إذن كيف أتيقن من الحلقة التي تنقل لي أحاديث سين وصاد الكاذبة المُدلِّسة؟
هنا يأتي دور الحاسة النقدية يا سادة، والتي تمنع أصحابها من الوقوع في شراك الإشاعات والتضليل، بالطبع يمكن تزييف المصدر كأي شيء آخر، وعلى القارئ أو المُشاهد أن يعي ذلك، فيمارس عملية فلترة حتمية، يتخير جهة المعلومة الموثوقة أولاً، ويعود إلى المصدر للتحقق منه عند اللزوم، بل إن الأمانة تُلزمنا أحيانًا بتقديم المصادر المختلفة معًا، وهذا بيت القصيد، لا بد أن يجد الجمهور مصدرًا من الأساس حتى يتحقق! فماذا عن الجهات التي لا ترفق مصادرها إذن؟
في عصر الذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، وأساليب الخداع المتطورة، حيث الدقة الكاذبة مجرد قشرة ذهبية يصدقها الملايين، يبقى المصدر عاملاً حاسمًا، فارقًا بين الغث والسمين، بل بين الحقيقة والكذبة، وإذا كانت المقولة الشهيرة تنص على "قل لي من تصاحب أقول لك من أنت" ففي الصحافة ستتغير حتمًا إلى "قل لي ما هو مصدرك أعرف حجمك صحفيًا"، وهكذا.. سيحق لنا كل الحق أن نقول لكل صاحب كتاب، أو مادة صحفية:


