صحافة "خيالية".. عندما تكتب عن التنانين بجدية!

16 يوليو 2026
محمود حافظمحمود حافظ

صاحبة الجلالة.. هكذا تُلقّب صنعة الصحافة، في اعتراف صريح بهيبتها ومكانتها، ورغم أنها مهنة المتاعب، تبقى معشوقة للكثير من أهلها، وتسري عليها أبيات صلاح جاهين الساحرة بالحرف:

يا مضروبين بالفن يا إحنا
يا سهرانين مـنه الليالي
مانسلاهوش ولو اندبحنا
ده الفن عند صحابه غالي

الصحافة بالنهاية أحد فنون السرد، وتدخل فيها فنيات الحكي كذلك، إنها "قصة" مكتوبة ومحبوكة مهما زادت جهامة الخبر أو المادة الصحفية التي يطالعها الجمهور. هذا بالنسبة إلى الصحافة العادية، الطبيعية، فماذا عن صحافة "ما وراء الطبيعة"؟


- نريدك أن تكتب لنا مقالاً عن التنانين!

في البداية، لم أصدق هذه الجملة الواردة في رسالة ماسينجرية من رئيس تحرير مجلة فنية عراقية، يستكتبني بجدية في مهمة صحفية "تنينية"! صحيح أن التنين الأحمر يحتل بفخر راية إمارة "ويلز" البريطانية، كما أن "التنين الصيني" وصف محبب ودارج في المواد السياسية مع الدب الروسي والفيل الهندي، لكن الطلب الموجه إليّ لا يحتوي شيئًا من هذا، بل ينشد مادة عن مخلوق "التنين" الخيالي جدًا، تمامًا كما ورد في عالم هاري بوتر! (السلسلة الفانتازية الأكثر نجاحًا في التاريخ بأكثر من نصف مليار نسخة مباعة، إضافة إلى أرباح مليارية للأفلام الثمانية)

هذه المهمة تناسبني فعلاً، ليس فقط لأنني شاهدت أفلام السلسلة، بل لأني قارئ لرواياتها السبع، ماذا كان ردي إذن؟ الموافقة طبعًا! تخيل أن تكتب عن شيء تستمتع به، وتعرف الكثير من تفاصيله عن ظهر قلب، نفس شعورك لو طلبوا منك مقالاً عن طفولتك، أو فلسفتك في الحياة، أو طريقتك المُفضّلة في إعداد حساء الدجاج بعيش الغراب، هنا ستلمع عيناك، وتفرك يديك حماسةً، حتى تتفنن فى وصف ولعك عبر الكلمات، ستكتب بقلبك قبل أصابعك.

رغم كل هذه السعادة والاطمئنان، استشعرتُ الخطر وفتحتُ "مراجعي" لأتأكد من معلوماتي الخيالية! فصفات التنين السويدي ليست سهلة الحفظ كما تعرف، والنتيجة راقت لرئيس التحرير فطلب مقالاً آخر عن العنقاء ثم ثالثًا عن شخصية دمبلدور مدير مدرسة السحر في الروايات، لماذا كل هذا؟ كان السبب واضحًا، الجمهور يحب هذا، وإذا كانت قراءة الروايات الخيالية شيقة، فمن الرائع أن تقرأ مقالات جادة عنها، كأنها صحيفة قادمة من عالم هاري بوتر ذاته، دعني أعرض لك شيئًا منها (ولتسامحني إن لم تفهم الكثير، فهذا حقك لأنك قارئ حقيقي من كوكب الأرض العادي!):

  • الوحوش السحرية ليست كلها مسالمة، ولا أحد يستطيع اتّهام التنانين باللطف لو أردت رأيي، حتى أن قسم "تنظيم وإدارة المخلوقات السحرية" في وزارة السحر أعطى للتنين تصنيف (XXXXX) الذي يعني أقصى درجات الخطورة؛ فهي معروفة بقتل السحرة، ومن المستحيل تدريبها أو تربيتها، ويعتبر التنين خليطًا بين الزواحف والطيور، جلده سميك كالدرع ولديه جناحان يحلّق بهما حتى عنان السماء، وزنه ما بين ٢ إلى ٤ طن، والأنثى أكبر حجمًا من الذكر وأكثر عدوانية، وبرغم هذا كله فالتنين منجم سحري متحرك، يحمل كبده وقلبه وجلده ودمه قوة سحرية عالية، ناهيك عن أقوى أسلحته، تيار النار المنبعث من فمه!

هل ترى معي؟ وزارة خيالية، أوصاف وهمية، مخلوق مختلق، هذا خبر مثالي من عالم آخر!


صورة2

هل يمكن أن تمتد "الصحافة الخيالية" إلى آفاق أوسع؟

لدي في هذا الصدد قصة ثورية فعلاً، بطلها مقال قديم نسبيًا في مجلة "كلمتنا" عام 2010، كانت فكرته شاطحة لدرجة احتلالها الغلاف كاملاً، حيث يطالعنا "مانشيت" عن فيلم جديد يُدعى "أفاطار"، يجمع بين الممثل المصري أحمد حلمي والأمريكية الشهيرة كاميرون دياز! الاسم مشتق من فيلم أڤاتار Avatar الشهير، أما القصة فتدور حول عامل توصيل يُدعى "فاروق" (أحمد حلمي) فى أحد فروع سلسلة مطاعم أمريكية، يناديه صديقه تحببًا "أفاروق" ثم يختصره إلى "أفا" وحسب، ولأن صاحبنا شديد السرعة في توصيل الطلبات وكأنه "يطير"، صار رفاقه يقولون "أفا طار" أي أن فاروق طار بالطلب! أما "جينيفر" (كاميرون دياز) فهي إدارية في سلسلة المطاعم نفسها، تتوجه إلى مصر في جولة تفتيشية، لتجد فاروق وتتغير حياتهما معًا في علاقة غريبة.

الفيلم أثار الإعجاب والدهشة، ووقتها تناقلت الألسن أخبار "أفاطار" بجدية، رغم أن الفيلم مثل التنين تمامًا، مجرد وهم! محررو مجلة "كلمتنا" قرروا اختلاق قصة سينمائية تجمع بين ممثل مصري شهير وأخرى عالمية، والنتيجة خيالية بامتياز، لكن صحيفة "اليوم السابع" المصرية ذكرت أن أحمد حلمي نفسه أحب الفكرة، والتي لم تتحول إلى حقيقة حتى يومنا هذا!

صورة4

طيب هذا مقال وحيد، هل توجد جريدة كاملة بهذا الشكل "الخيالي"؟ مؤكد، أقدم لك صحيفة "البصل" الأمريكية! ومن اسمها، هي نجمة الصحافة الساخرة على المستوى العالمي، تنشر أخبارًا وهمية تنتقد ظواهر مجتمعية أو تُعلّق عليها، انطلقت فى الولايات المتحدة منذ أواخر الثمانينيات، وهذه الصيغة التهكمية وجدت ترحيبًا في الوطن العربي كذلك، وصارت لها عدة صحف شبيهة، الخيال الساخر مبتدأها ومنتهاها.


لو أنك سألتني عن رأيي في الصحافة الخيالية، فأنا "أتخيل" أنها لن تتوقف، وستبهرنا بالمزيد من النماذج الفريدة، حتى خارج الإطار الساخر المتواجد حاليًا، قد نجد لها يومًا ما صحفًا عديدة تنافس الصحف التقليدية، ويتهافت محبيها على متابعة الأخبار التي لم تحدث، بعد سأمهم مما يحدث!

وبعد.. تبقى الصحافة ساحرة، حقيقية كانت أو خيالية، ساخرة كانت أم جادة، ولا يبدو أن عجائب "صاحبة الجلالة" ستتوقف من التنانين إلى أفاطار!

مقالات شائعة

Share:
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram