فعل "اللا شيء".. كيف يوقد الشرود الذهني شرارة الإبداع؟

2 أغسطس 2026
إسلام زقزوقإسلام زقزوق

غالبًا ما تُقدِّر ثقافة العمل الجاد مهام عملنا بمقياس الإنتاجية والإنجازات، وبينما قد يبدو السعي وراء الأهداف وإنجاز المهام مُجزيًا، إلا أن هذا الانغماس الدائم قد يُرهقنا ذهنيًا ويُحرمنا من العديد من الفوائد التي يُمكن أن يُقدمها لنا وقت الراحة الذهنية.. لذلك، الخبر السار هو أنه بتخصيص لحظات للراحة والاستراحات الذهنية، نمنح أنفسنا فرصةً لاستعادة نشاطنا، وتحفيز إبداعنا، ودعم صحتنا العامة.

يخطئ من يظن أن الشعور بالإنتاجية يأتي من خلال الضغط المستمر على الدماغ، بينما يتم ذلك في الواقع عبر قدرته على التبديل الذكي بين التركيز والراحة الذهنية عبر ما يُعرف بشبكة الوضع الافتراضي في الدماغ، التي تنشّط أثناء الشرود والهدوء وتُسهِم في الإبداع، وضبط المشاعر، ومنع الاحتراق الوظيفي.

يوضّح عدد متزايد من الدراسات أن فترات “اللاشيء المقصود” ليست كسلًا، بل استثمار عصبي يعيد شحن قدرتنا على التعلّم وحل المشكلات واتخاذ قرارات أفضل في العمل.


ما هي شبكة الوضع الافتراضي؟ ولماذا تعمل في الراحة؟

تُبيّن أبحاث التصوير الدماغي أن الدماغ لا يتوقف عن العمل عندما نسترخي أو “نسرح”، بل يتحوّل إلى نمط نشاط مختلف تقوده شبكة تسمى Default Mode Network المعروفة اختصارًا بـ DMN أو "شبكة الوضع الافتراضي"، تضم مناطق مثل القشرة الجبهية الوسطى والقشرة الخلفية الحزامية والزوايا الجدارية. تنشط هذه الشبكة في حالات اليقظة الهادئة: الاستلقاء، التمشية الخفيفة، مراقبة الغيوم، أو حتى الانتظار في طابور دون استخدام الهاتف، حيث ينصرف الانتباه إلى الداخل لاسترجاع الذكريات، وتأمل الذات، والتفكير في المستقبل.​


حين يولد الإبداع من الشرود الذهني

تُظهر تجارب مخبرية أن أفضل الأفكار لا تولد ونحن “نضغط” على عقولنا، بل عندما نسمح بمساحة من الشرود؛ ففي دراسة شارك بها 145 شخصًا (تتراوح أعمارهم بين 19 و32 عامًا) عن الإبداع (Unusual Uses Task)، أُعطي المشاركون اختبارًا لاقتراح استخدامات مبتكرة لأشياء عادية، ثم قُسموا إلى 4 مجموعات حصلت على: مهمة سهلة تشجّع الشرود، مهمة صعبة، راحة صامتة بلا مهمات، ومهمة بدون استراحة بعدها.

المجموعة التي أدّت مهمة سهلة سمحت بتجول الذهن حققت تحسنًا إبداعيًا أكبر بكثير من باقي المجموعات في الجولة التالية، ما قدّم دليلًا مباشرًا على أن الظروف التي تغذي الشرود تعزز توليد الأفكار الجديدة.​


حماية التركيز ومنع الاحتراق الوظيفي

العمل المتواصل لساعات طويلة يبدو مُنتجًا على المدى القصير، لكنه يرتبط على المدى البعيد بتراجع في جودة الأداء وارتفاع في مؤشرات الاحتراق الوظيفي، وهو ما تؤكده مراجعات واسعة على أضرار الإفراط في عدد ساعات العمل.

في دراسة أُجريت على 40 ممرضة في الصين مصابات بالإرهاق المهني، تبين أن من يعانون من الاحتراق لديهن انخفاض ملحوظ في الاتصال الوظيفي بين مناطق DMN بالمقارنة مع زملاء أصحاء، ما يربط بين تدهور هذه الشبكة وبين الإنهاك المزمن وضعف القدرة على التعافي الذهني.​


طرق لتفعيل شبكة الوضع الافتراضي (DMN)

إذا كنت تبحث عن طرق لتفعيل شبكة الوضع الافتراضي (DMN)، فإليك بعض الأفكار لتبدأ بها:

  • دع أفكارك تتدفق: قد يعني ذلك أخذ استراحة قصيرة من مهامك كل ساعتين لإراحة عقلك، أو قضاء بضع دقائق أثناء الانتظار في طابور المتجر للتفكير وإعادة شحن طاقتك بدلاً من تصفح هاتفك.
  • تدوين أفكارك أو مشاعرك: يمكن أن يساعدك تخصيص بضع دقائق كل يوم لتدوين أفكارك أو مشاعرك على تنشيط شبكة الوضع الافتراضي (DMN). يوفر تدوين المذكرات مساحة خاصة لاستكشاف عالمك الداخلي ويسمح للدماغ بمعالجة التجارب، مما يمكن أن يحسن الذاكرة ويعزز الوعي الذاتي.
  • نزهة خفيفة في الطبيعة: قضاء بعض الوقت في التنزه بين أحضان الطبيعة يمكن أن يحفز شبكة الوضع الافتراضي (DMN) لديك، مما يساعد دماغك على معالجة الأفكار والتجارب. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي الانخراط في النشاط البدني إلى تحسين صحة القلب والأوعية الدموية، وتقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، وجعلك تشعر بمزيد من النشاط والتوازن.
  • ضع أجهزتك الرقمية جانبًا: في عصرنا الرقمي، يمكن أن يكون أخذ استراحة قصيرة من الأجهزة الإلكترونية مفيدًا لصحتنا. غالبًا ما يمنعنا الوقت المستمر أمام الشاشة والانشغالات عبر الإنترنت من الراحة الكاملة لعقولنا. عندما نمنح أنفسنا هذا الوقت دون انقطاع، يمكن لعقولنا أن تتجول وتستوعب الأفكار وتستعيد طاقتها العقلية والعاطفية.

 


كيف نستخدم “الكسل المنتج” لصالح العمل؟

مجمل هذه النتائج يدعم تصورًا مغايرًا عن الكسل والاسترخاء، لا بوصفهما عدوّين للإنتاجية، بل كمرحلة حيوية في دورة عمل الدماغ تعيد ترتيب الذاكرة، وتغذي الإبداع، وتحمي من الانهيار الذهني على المدى الطويل.

بهذا المعنى، فإن "العمل الحقيقي" لا يتم فقط أمام الشاشة أو في قاعة الاجتماعات، بل أيضًا في تلك اللحظات التي يبدو فيها أننا لا نفعل شيئًا.. هناك في الخلفية، تُنسج الأفكار، وتُشحَن الذاكرة، ويُعاد بناء قدرتنا على التركيز والإبداع في جولات العمل التالية.​

مقالات شائعة

Share:
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram